عبد الفتاح اسماعيل شلبي
3
من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي
واتجاهها إلى الغاية المشتركة في الهدف البعيد ، فمن دلائل التوفيق لها ، وهي تجمع الكلمة ، وتأخذ الأهبة أن تذكر أمسها في يومها ، وتأخذ من ماضيها لحاضرها ، وأن تمضى في هذه السبيل قدما إن شاء اللّه . لقد بعث اللّه الشيخ الفارسي في هذا البحث العتيد ، ورده علينا بعد ألف عام خلقا سويا ، نراه في شخصه ونفسه ، وفي عواطفه وحسه ، وفي هواه ورشده ، وفي آرائه وعقيدته ، وفي تفكيره وفلسفته ، وفي بيئته وعصره ، وفي الينابيع التي استقى منها ، والإضافات التي أضافها ، وفي مدى ما انتفع المخالفون به ، وأفادوا منه . وهذه آثاره في القراءات والنحو قد أحصيت ، وحقق عددها ، وعينت أماكن وجودها ، وأوتى كل منها حقه من الغرض ، والدرس ، والتحليل ، والنقد في أناة وحكمة وإنصاف . وعجيب حقا أن يكون ذلك كله على رأس الألف الثانية لوفاته ( رحمة اللّه عليه ) ، فهل ترى الأقدار كما قال الدكتور عبد الفتاح شلبي في تلخيص الرسالة ، قد تولت عنا تكريمه ، فحددت لنا موعده ، وندبت منا له ، على نحو ما يفعل الناس في إحياء ذكرى العظماء الخالدين ؟ وظاهرة أخرى قد تكون من ظواهر تكريم الأقدار للفارسي ، وتهيئة الأسباب المواتية لجعل بعثه كاملا : أنها جعلت ثقافته متصلة متشابكة ، لا تخرج عن حيّز اللغة والنحو ، ولا تبعد منهما شيئا ؛ ليدرسه الباحث جملة واحدة ، وعلى منهج واحد ، فيفيد من جانب لجانب ، ويأخذ من هذا لذاك . فما أظن أن باحثا صبورا مقتدرا يتصدى لدراسة الفارسي فيأخذ أثره في النحو أو القراءات ، ويدع الآخر لباحث غيره ؛ لأنه في أحد الأثرين لا بد ملم بالأثر الآخر وقائل فيه ، وإلا كان درسه مشطورا أو مبتورا ؛ لأن الفارسي ( رحمه اللّه ) لم يعمل للقراءات من ناحية الرواية والسند ، ولكن من ناحية الاستدلال والاحتجاج ، وكان معوّله طبعا في هذا وذاك على النحو وبحوثه ، واللغة ونصوصها . وبعد ، فإن لي في هذا المقام أمنيتين : عامة ، وخاصة ، فأما العامة : فأن تتوالى أمثال هذه البحوث القيمة ، نحيى بها مجد سلفنا العظيم ، ففي ذلك مدد متصل النهضة ، وإضافة ثمينة إلى الثقافة ، وفخر صادق لنا واعتزاز . ولا بأس أن تدور كلها أو معظمها أول الأمر على أعلام الدولة في البلاد الشرقية ، ثم تدور بعد ذلك